فخر الدين الرازي

575

مفاتيح الغيب ( التفسير الكبير ) ( تفسير الرازي ) ( ط دار احياء التراث )

وعن أبي هريرة أنه وتدها بأربعة أوتاد ، واستقبل بها الشمس ، وألقى عليها صخرة عظيمة ، فقالت : رب نجني من فرعون فرقى بروحها إلى الجنة ، فألقيت الصخرة على / جسد لا روح فيه ، قال الحسن . رفعها إلى الجنة تأكل فيها وتشرب ، وقيل : لما قالت : رَبِّ ابْنِ لِي عِنْدَكَ بَيْتاً فِي الْجَنَّةِ رأت بيتها في الجنة يبنى لأجلها ، وهو من درة واحدة ، واللّه أعلم كيف هو وما هو ؟ وفي الآية مباحث : البحث الأول : ما فائدة قوله تعالى مِنْ عِبادِنا ؟ نقول : هو على وجهين أحدهما : تعظيما لهم كما مر الثاني : إظهارا للعبد بأنه لا يترجح على الآخر عنده إلا بالصلاح . البحث الثاني : ما كانت خيانتهما ؟ نقول : نفاقهما وإخفاؤهما الكفر ، وتظاهرهما على الرسولين ، فامرأة نوح قالت لقومه إنه لمجنون وامرأة لوط كانت تدل على نزول ضيف إبراهيم ، ولا يجوز أن تكون خيانتهما بالفجور ، وعن ابن عباس ما بغت امرأة نبي قط ، وقيل : خيانتهما في الدين . البحث الثالث : ما معنى الجمع بين عِنْدَكَ و فِي الْجَنَّةِ ؟ نقول : طلبت القرب من رحمة اللّه ثم بينت مكان القرب بقولها : فِي الْجَنَّةِ أو أرادت ارتفاع درجتها في جنة المأوى التي هي أقرب إلى العرش . ثم قال تعالى : [ سورة التحريم ( 66 ) : آية 12 ] وَمَرْيَمَ ابْنَتَ عِمْرانَ الَّتِي أَحْصَنَتْ فَرْجَها فَنَفَخْنا فِيهِ مِنْ رُوحِنا وَصَدَّقَتْ بِكَلِماتِ رَبِّها وَكُتُبِهِ وَكانَتْ مِنَ الْقانِتِينَ ( 12 ) أحصنت أي عن الفواحش لأنها قذفت بالزنا . والفرج حمل على حقيقته ، قال ابن عباس : نفخ جبريل في جيب الدرع ومده بإصبعيه ونفخ فيه ، وكل ما في الدرع من خرق ونحوه فإنه يقع عليه اسم الفرج ، وقيل : أَحْصَنَتْ تكلفت في عفتها ، والمحصنة العفيفة : فَنَفَخْنا فِيهِ مِنْ رُوحِنا أي فرج ثوبها ، وقيل : خلقنا فيه ما يظهر به الحياة في الأبدان . وقوله : فِيهِ أي في عيسى ، ومن قرأ ( فيها ) أي في نفس عيسى والنفث مؤنث ، وأما التشبيه بالنفخ فذلك أن الروح إذا خلق فيه انتشر في تمام الجسد كالريح إذا نفخت في شيء ، وقيل : بالنفخ لسرعة دخوله فيه نحو الريح وصدقت بكلمات ربها . قال مقاتل : يعني بعيسى ، ويدل عليه قراءة الحسن ( بكلمة ربها ) وسمى عيسى ( كلمة اللّه ) في مواضع من القرآن . وجمعت تلك الكلمة هنا ، وقال أبو علي الفارسي : الكلمات الشرائع التي شرع لها دون القول ، فكأن المعنى صدقت الشرائع وأخذت بها وصدقت الكتب فلم تكذب والشرائع سميت بكلمات كما في قوله تعالى : وَإِذِ ابْتَلى إِبْراهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِماتٍ [ البقرة : 124 ] وقوله تعالى : صَدَّقَتْ قرئ بالتخفيف والتشديد على أنها جعلت الكلمات والكتب صادقة يعني وصفتها بالصدق ، وهو معنى التصديق بعينه ، وقرئ ( كلمة ) و ( كلمات ) ، و ( كتبه ) و ( كتابه ) ، والمراد بالكتاب هو الكثرة والشياع أيضا قوله تعالى : وَكانَتْ مِنَ الْقانِتِينَ الطائعين قاله ابن عباس ، وقال عطاء : من المصلين ، وفي الآية مباحث . البحث الأول : ما كلمات اللّه وكتبه ؟ نقول : المراد بكلمات اللّه الصحف المنزلة على إدريس وغيره ، وبكتبه الكتب الأربعة ، وأن يراد جميع ما كلم اللّه تعالى ( به ) « 1 » ملائكته وما كتبه في اللوح المحفوظ وغيره ،

--> ( 1 ) ما بين الهلالين زيادة من الكشاف للزمخشري ( 4 / 132 ط . دار الفكر ) .